مجتمع

أفراح الزمن الحزين الممكنة

إن الحزن إذا منع مواصلة الحياة كان خبيثًا شيطانيًا مقيتًا، يبغضه الله ويبغضه أهل الحكمة من المؤمنين. ترى كيف نفرح، ونصنع من فرحنا مقاومةً وسط آلام الأمة الشديدة؟

future صورة تعبر عن فرحة أطفال غزة بالعيد رغم الدمار والحرب

أثناء حرب الإبادة الرهيبة التي تعرض لها أهلنا في قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر عام ٢٠٢٣، والتي استمرت حولين كاملين، ثم أعلنوا - زورًا - انتهائها، وإن كانت الإبادة مستمرة، والعالم يغلق عينيه ويصم أذنيه ويشيح بوجهه عنها، لكن قبل هذا الإعلان الكاذب، وتزامنًا مع شدة القصف، وقد استحر القتل بالأبرياء، ضبط أحد أصدقائي نفسه متلبسًا بالضحك بسبب موقف يومي عابر، فانقبض صدره فجأة، وأحس أنه بهذا الضحك متبلد الإحساس، متجاهل المأساة الإنسانية المروعة التي يتعرض لها الرجال والنساء والأطفال والشيوخ والشباب، وكأني به يخاطب نفسه معاتبًا: كيف تضحك والأقصى أسير؟

هذه الكلمة التي قيلت على لسان صلاح الدين الأيوبي - رحمه الله - وشاعت بين المعاصرين - وإن كان لا يوجد لها أصلٌ في المراجع التاريخية التي عرضت سيرة الرجل - لكنها تعبير أدبي عن حال إنسان حر حالم مهموم بحال أمته، ومشغول باله بما أصابها، وهي صالحة للتمثل اليوم، وقد بات المسجد الأقصى أسيرًا، ونُكِئ الجرح الذي ما كاد يندمل!

وكأني بهذه الكلمة قد صارت اليوم خطاب تأنيب وتوبيخ للنفس اللاهية الغافلة، يذكرها بمأساة إخوة لها في الدين والإنسانية والقومية، تسيل دماؤهم في كل مكان؛ فكيف نضحك ونلعب ونقيم الأعراس ونلاعب الأطفال ونغازل النساء ويغازلننا، ونمازح دهرًا عابسًا لا يُمازح، وإخواننا في غزة وغيرها يعانون ما يعانون؟!

وما قيل يومًا عن حرب غزة ومشاعر الناس، يقال اليوم عن حرب إيران، وعن حروب في أمتنا لا تنقطع، وجراح لا تندمل، وكأن الفرح بالحياة خيانة لدماء الشهداء وتضحياتهم، مثل ما يشعر بعض أهالي المعتقلين أن الاستمتاع بالحرية خيانة لمن تُسرق منهم أعمارهم في سجون الاحتلال.

(٢)

لما تشوف الشهيد تبقى السلامة خجل

—تميم البرغوثي.

إنها عقدة الناجي (survivor guilt) أو متلازمة الناجي (survivor syndrome)، وهي اضطراب نفسي وشعور بالذنب المفرط يصيب الأشخاص الذين نجوا من كارثة أو حادث أو صدمة مات فيها آخرون، يلوم فيها الناجي نفسه على بقائه حيًا، ويصاب بأعراض اكتئاب وكوابيس وأفكار وسواسية، وتعتبر عرضًا رئيسيًا لاضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).

وسؤال (كيف أضحك والأقصى أسير؟) وأمثاله من (كيف أضحك وإخواني يموتون؟) أو (كيف آكل وأهلي جائعون؟) ونحو ذلك من الأسئلة المعاتبة على الفرح، المانعة منه، هي أسئلة معبرة عن نفوس شريفة وضمائر حية ومشاعر متعاطفة مع الآخرين، مؤازرة لهم، مساندة إياهم ولو بمشاطرتهم أحزانهم، لعل مشاطرة الأحزان تخففها عن أصحابها، كما قالت الخنساء، وهي ترثي أخاها صخرًا:

يذكرني طلوع الشمس صخرًا
وأذكره لكل غروب شمس

ولولا كثرة الباكين حولي
على إخوانهم لقتلت نفسي

فما منعها عن قتل نفسها، ولا سلاها عن مصيبتها بعض السلوان، إلا أنها ليست وحيدة فيها، ومن هنا تمدح مشاركة الناس آلامهم، ويمدح إظهار الحزن على حال أحبابنا، والتفجع لمصائبهم، غير أن هذه الأسئلة المعاتبة للنفس تنقلب خبيثة ضارة، يتسلل بينها الشيطان الخبيث إلى عقول وقلوب المؤمنين، فيمنعهم العمل باسم الحزن، والسعي باسم الهم، ومواصلة الحياة باسم احترام الموت!

وليس هذا من الشعور الإنساني الممدوح في شيء، بل هو: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾ (البقرة: ٢٦٨)، وكأن اليأس من الخير، والخوف من الفقر، والقنوط من رحمة الله هو طريق الفحشاء وأحد أوسع أبوابها، وهذا مع أن: ﴿الله يعدكم مغفرة منه وفضلًا والله واسع عليم﴾ (البقرة: ٢٦٨).

ثم يعقب ربنا سبحانه على ثنائية التشاؤم والتفاؤل هذه، أو إن شئت قلت ثنائية اليأس والاستبشار، بقوله عز من قائل: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا وما يذكر إلا أولو الألباب﴾ (البقرة: ٢٦٩).

إن الحزن إذا منع مواصلة الحياة كان خبيثًا شيطانيًا مقيتًا، يبغضه الله ويبغضه أهل الحكمة من المؤمنين.

(٣)

قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ

—الصحابي الأنصاري المجاهد أنس بن النضر، معلقًا على شائعة مقتل النبي في غزوة أحد.

حين أشيع بين المؤمنين في غزوة أحد أن رسول الله ﷺ قد مات، جلس كثير منهم يبكون وتركوا القتال، فمر بهم أنس بن النضر، فسألهم عن شأنهم متعجبًا، فقالوا: مات رسول الله ﷺ، فأجابهم بما ذكرنا في صدر الفقرة، معلنًا أن الوفاء الحقيقي لمنهج النبي هو العمل والسعي ومواصلة البذل، وليس اليأس والقنوط والانسحاب والبكاء.

ثم رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعل هؤلاء - يعني المشركين وقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم كما أشيع -، وأعتذر إليك مما فعل هؤلاء - يعني المؤمنين وتركهم القتال باسم الحزن على مقتل النبي صلى الله عليه وسلم -»، ثم أقبل على قتال المشركين غير مدبر، حتى أكرمه الله بالشهادة في سبيله بعد نكاية منه كانت في المشركين شديدة.

ما أسعد عدونا بحزننا ويأسنا وقنوطنا، وما أغيظه وأخزاه وأدحره بمواصلتنا الحياة وفرحنا بها وإقبالنا عليها، نحمل ذكرى أحبابنا في قلوبنا ونمضي لنعيش على ما ماتوا في سبيله، ولنَمُت يوم نموت مقبلين غير مدبرين، مستبشرين بفضل الله وبرحمته، وبهما فرحين.

(٤)

وتجلدي للشامتين أريهم
أني لريب الدهر لا أتضعضع

—أبو ذؤيب الهذلي

استراتيجية مقاومة الهزائم بالتسامي عليها والتجلد فيها، هذه الاستراتيجية المقاومة بالفرح والضحك والاستبشار والجمال - وكل جمال مقاومة - هي استراتيجية يتقنها أهل غزة على خير ما يكون الإتقان، وفي المرة التي زرت فيها القطاع ضمن وفد صحفي في أحد حروبه السابقة رأيت من مظاهر التجلد والصبر وحب الحياة، برغم القصف والدمار، ما أذهلني وكاد يطير بلبّي.

رأيت الرجل يهتف فرحًا: الله أكبر.. أخي شهيد!
ورأيت المرأة تزغرد وهي تزف ولدها الشاب إلى عروسه من الحور العين.

ورأيت نساء غزة المقاتلات الباسلات ينجبن في ظل القصف والدمار، ويحملن ويلدن، ويحملن ويلدن، بدون انقطاع، لا يمنعهن عن حمل ولا ولادة حرب ولا غيرها!

الله أكبر... إنهن بفعلهن الجليل هذا (نساء غزة من أعلى نساء الأرض في معدلات المواليد) يقاومن الحرب بالحب، ويغلبن الموت بإنتاج الحياة، ويرمين العدو بقنبلة الديموغرافيا، ويعمقن غرس جذور شعبهن في الأرض بأكثر من ٧ مواليد لكل امرأة في المتوسط.

إن رعايتهن للحب والولادة في زمن الحرب والإبادة ليذكرني بهذه المرأة الصالحة سيدتنا أم سليم الرميصاء بنت ملحان (سميت بالرميصاء لجمال عينيها)، أم سيدنا أنس بن مالك، وزوجة سيدنا أبي طلحة الأنصاري - رضي الله عنهم جميعًا -، وقد مرض ابنها من أبي طلحة، فلما خرج زوجها يومًا مات الغلام، فقالت لأهلها: إذا جاء أبو طلحة فلا تخبروه بأمر ابنه حتى أكون أنا أخبره.

فلما حضر سأل عن الغلام، فقالت: هو أسكن ما كان، أي هادئًا مستقرًا لا يعاني من شيء، وهذا حال الميت، غير أن ظاهر العبارة أنه قد ذهبت شكايته وشفى من مرضه، وعلى هذا الوجه فهم الزوج قولها، ثم قربت له العشاء فأكل وشرب، ثم تصنعت له (أي تزينت) على خير ما كانت تصنع، ثم أتاها زوجها (أي: جامعها)، فلما فرغا قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوها؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك.

فغضب، وقال: تركتني حتى إذا تلطخت أخبرتني بابني؟ فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ، وقالت الأم لأهلها: واروا الغلام.

فلما أخبر أبو طلحة رسول الله ﷺ بما كان من أمرهما قال: «أعرّستم الليلة؟ بارك الله لكما في ليلتكما»، وحملت أم سليم رضي الله عنها، فلما ولدت أرسلت ابنها هذا للنبي ﷺ قبل أن ترضعه، وقالت لابنها الأكبر أنس بن مالك رضي الله عنه: يا أنيس، انطلق بأخيك إلى رسول الله ﷺ ليسميه ويحنكه، فحنكه رسول الله ﷺ وسماه عبد الله ودعا له.

قال رجل من الأنصار: فرأيت لهذا الوليد تسعة من الولد، كلهم قد حفظوا القرآن.

حديث عجيب عجيب، وقصة جليلة جميلة، وكأني بمعترض على فعل هذه السيدة الجميلة يقول: كيف تطيق أم أن تتزين لزوجها ويجامعها، وجثة ابنها في بيتها لم تدفن؟!

وأقول: رضي الله عنها من امرأة تحسن صناعة الحياة وتقاوم بها الموت، وقد - والله - انتصرت عليه، وحسبك بأحفادها التسعة - أبناء عبد الله بن طلحة الذين حفظوا القرآن - إعلانًا حاسمًا على انتصارها، ولو كان في صنيعها ليلتها تلك ما يُستنكر، لما دعا لهما النبي ﷺ بأن يبارك الله لهما في ليلتهما!

وفي معنى فعلها قال المصريون في أمثالهم الشعبية التي جمعت كثيرًا من حكمتهم العميقة وخبراتهم التاريخية الطويلة: «الحي أبقى من الميت».

(٥)

«لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا».

—حديث شريف

إنه دين يأمر بالإقبال على الحياة ومواصلة السعي ومقاومة الحزن والموت وعدم الاستسلام لهما، حتى إن أمنا وسيدتنا أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان زوج رسول الله ﷺ، لما مات أبوها أبو سفيان بن حرب ومرت أيام قليلة، دعت بطيب فيه صفرة (أي: زينة شكلية مضافة إلى جمال الرائحة)، فتطيبت به وعطرت به جاريتها (أي: خادمتها)، وقالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا».

قالت زينب بنت أبي سلمة، راوية الحديث عن أم حبيبة: ثم دخلت على زينب بنت جحش (أم المؤمنين رضي الله عنها) حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمسته (أي تطيبت به)، ثم قالت مثل الذي قالته أم حبيبة.

فانظر - يا رعاك الله - كيف أن هذه الثقافة الراقية المقبلة على الحياة، والمعرضة عن الاستغراق في الموت وذكراه، منتشرة شائعة بين سيدات بيت النبوة، حتى إنهن يتعطرن ويتزينَّ بعد موت آبائهن وإخوانهن، بل ويعطرن الخدم إشاعة للجمال ونشرًا له في الأرجاء، هذا وليس لهن زوج، ولا يحل لإحداهن أن تنكح بعد رسول الله أحدًا، إذ هن أمهات المؤمنين - عليهن سلام الله -، فكيف بغيرهن من النساء ذوات الأزواج أو اللاتي من شأنهن أن يرغب فيهن الأزواج أو يرغبن فيهم؟!

(٦)

«كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإن في زيارتها تذكرة».

—حديث شريف

وفي رواية أخرى للحديث: «ولتزدكم زيارتها خيرًا»، وفي رواية: «فإنها تذكر الموت»، وكم في تذكر الموت من عبر موجبة لحسن اغتنام الحياة، وبذلك يكون ذكر الموت من وسائل صناعة الحياة، وتكون زيارة القبور زيادة لزوارها خيرًا.

ومن هنا كانت المرأة من صاحبات النبي ﷺ إذا مات زوجها لم تنكفئ على حزنها وتزهد في الرجال، بل تنكح ثم تنكح ثم تنكح، تلاحق الموت بالحياة وتحاصره بها.

وانظر إلى سيدتنا أسماء بنت عميس رضي الله عنها حين مات زوجها جعفر بن أبي طالب شهيدًا، تزوجت بعده الصديق أبا بكر رضي الله عنه، فلما توفي تزوجت الفتى الكرار علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكذلك كل زوجات النبي ﷺ عدا عائشة، قد سبق لهن الزواج قبله مرة أو مرات، ثم واصلن الحياة.

حتى إن إحداهن (وهي أم سلمة رضي الله عنها) حين مات زوجها الأول أبو سلمة، دعت بما علم النبي ﷺ أصحابه من الدعاء عند المصيبة، فقالت: «اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها»، ثم قالت: «ثم رجعت إلى نفسي فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ قالت: فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله ﷺ وأنا أدبغ إهابًا لي، فغسلت يدي من القرظ وأذنت له، فوضعت له وسادة آدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسه؛ فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي ألا تكون بك الرغبة في، ولكني امرأة بي غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال؛ فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله منك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي»، فقالت: «فقد سلمت أمري لله، فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه رسول الله ﷺ».

إنها ثمرة التزام الأمر النبوي بطلب الخير والتفاؤل به، وإن حق الميت على الحي أن يواصل الحياة، فإن في حياته حياة للميت.

(٧)

«لعمري ما بالزواج من قطع حرب، ولا بالترك من نيل نصر».

—خالد بن الوليد

إنه لخبر عجيب من خبر خالد - رضي الله عنه -، فإن كنت لم تسمع به فاسمع، وهاك حديثه. يقول الطبري في تاريخه في ذكر أحداث العام الحادي عشر من الهجرة وحرب المرتدين في اليمامة:

يقول الطبري في تاريخه (تاريخ الرسل والملوك) ضمن أحداث سنة إحدى عشرة في ذكر «بقية خبر اليمامة»:
«لما فرغ خالد من أمر اليمامة، وبسط يده في بني حنيفة، وقتل من قتل منهم، وأسر من أسر، صالحه مجاعة بن مرارة على بني حنيفة... ثم خطب خالد إلى مجاعة ابنته، فقال له مجاعة: مهلاً! إنك قاطع ظهري وظهرك عند صاحبك. قال: زوجني. فزوجه، فبلغ ذلك أبا بكر، فكتب إليه كتابًا يقطر الدم: لعمري يا ابن أم خالد إنك لفرغ، تنكح النساء، وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجف بعد! فلما نظر خالد في الكتاب جعل يقول: هذا عمل الأُعيسر - يعني عمر بن الخطاب -. فكتب إليه خالد: لعمري ما تزوجت حتى قرت القرة، وانقطع القتال، وصالحناهم، وما تزوجت إلا إلى رجل لو كنت بالمدينة لخطبت إليه، ولعمري ما بالزواج من قطع حرب، ولا بالترك من نيل نصر، ولقد خطبت النساء في الحرب فما باليت، فكيف وقد انقضت الحرب، وصارت إلى السلم!

فكتب إليه أبو بكر: إنما لمتك على التوقيت، ولم ألمك على التزويج، فإنه قد كان ببابك من القتلى من المهاجرين والأنصار ما لو كان بباب غيرك من العرب لاستحيا أن يضحك، فكيف بالعرس!».

إني - على جلالة شأن الشيخين أبي بكر وعمر وقلة شأني - أجد إنكارهما على خالد - رضي الله عن الجميع - شبهًا بإنكار أبي طلحة على أم سليم حين غضب وقال: تركتني حتى إذا تلطخت أخبرتني بابني؟ لكن الدعاء النبوي لهما بالبركة أعلن أن الحق في صف أم سليم - رضي الله عنها -، وأحسب النبي ﷺ لو كان حيًا وقت زواج خالد بابنة مجاعة وإنكار الشيخين الصاحبين الكريمين عليه لكان معه عليهما، وذلك لما رأيناه في طول سيرته وعرضها أن احترام الموت لا يعني ترك الحياة.

(٨)

«إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا... إنا لله وإنا إليه راجعون».

الحزن في القلب، والدمع في العين، والقول المرضي لله تعالى في اللسان، إننا جميعًا - من مات ومن عاش - لله، وإننا جميعًا - من مات ومن عاش - إليه راجعون، ولكل أجل كتاب، فلنواصل العمل حتى يبلغ الكتاب أجله - وهو بالغه لا محالة.

وهون ما ألقى من الوجد أنني
مجاوره في قبره اليوم أو غدًا

حين مات أحد أخوالي وذهبنا لدفنه، ولحقت بنا أمي بعد الدفن لوداع أخيها عند قبره، وجلست تبكي هادئة فترة، ثم أردناها على الرحيل فاستمهلتنا، فقال لها خالي الآخر: لا تقلقي... سنذهب قليلًا ثم سنأتي جميعًا.

هي إذن مهلة وجيزة للعمل، وإن الله تعالى سائل كل عبد بعدهما كما استرعاه أحفظ أم ضيع، وإن من التضييع تعطيل الحياة ومنع الأفراح وحظر كافة مظاهر السرور على الأقارب والجيران والأحباب باسم احترام الموت وحرمته، ويستمر ذلك أربعين يومًا أو ستة أشهر أو سنة كاملة أحيانًا، نلبس السواد ونعلن الحداد، وذلك كله جاهلي مخالف لسنة سيد الدنيا محمد بن عبد الله ﷺ.

(٩)

جاورت أعدائي وجاور ربه
شتان بين جواره وجواري

إن القلب ليحزن على فراق أحبابنا، لكن الاطمئنان بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم، لأعظم سلوان يربط على القلوب ويحيي الهمم.

وإن رؤية مصاعب أهلنا ومعاناتهم في غزة ولبنان والسودان والعراق واليمن وإيران، وفي كل مكان لنا فيه أخ يعاني وأخت تقاسي، وولد عالم بالحزن منذ طفولته، فهو رفيقه الذي لا يخطئه حين يقابله كما قال تميم، ونحن نتفجع لمصابهم جميعًا، ويذوب لحالهم القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان، ولكنا نكفكف هذا التفجع وذلك الذوبان قيامًا بالواجب، وتحملًا للمسؤولية، وأداءً للأمانة التي حملنا الله إياها من معرفته وعبادته، ودعوة الخلق إلى معرفته وعبادته، ومن ثم صناعة الحياة بهذه المعرفة وتلك العبادة.

وهنا يجب توضيح الفارق بين حال من يحمل هم إخوانه ويتفجع لمصائبهم ثم نوصيه بالتصبر والمواصلة وإظهار الفرح بفضل الله وبرحمته، وبين حال الغافل أصلًا وكأنه يقول: ليسوا إخواني، ولا يعنيني بعد أمرهم، وليذهب الجميع إلى الجحيم على ألا تتأثر شهواتي وملذاتي بالحق أو بالباطل! وليس لهذا الصنف الثاني أوجه الكلام أصلا!

كلامي لمجاهد في الحياة متعب حزين، أقول له: قد قسم الله المعارك ووزع عباده في الميادين والساحات، ولكل دور، وأمتنا تحتاج إلى جميع هذه الأدوار، فسدد وقارب، واستعن بالله ولا تعجز، واستعن بالغدوة والروحة، وأبشر بفضل الله ورحمته.

أما الآخر الغافل البليد الذي لم تؤرق له أهوال أمته جفنًا، ولم تقض له مضجعًا، فهذا له مقال آخر تمامًا.

(١٠)

هنا يطيب لي ذكر منثورة لتميم سماها: «الأمهات العذارى»، يحكي فيها طرفًا من مقاومة رجال ونساء غزة وأخواتها للموت بالحياة، ومن استعانتهم على الحرب بالحب، ومن إصلاحهم وإصلاحهن القبح بالجمال، فلله درهم مرة، والله ألف مرة درهن.

يقول تميم:

لا أدري لماذا يلح الحب علينا وقت الحرب؟

هل نهرب من الركام للعيون الكحيلة؟

هل تحاول تشتيت انتباهنا عن الكوارث؟

هل نشعر بندم مضاعف على أبواب عشق

فتحت لنا ولم ندخلها، على حين نشعر بقصر الوقت؟

أم أن الأمر أهون من هذا كله وأكثر غريزية...

الحرب تقلل الأطفال - حقيقة ومجازًا -
والحب يكثرهم - حقيقة ومجازًا -

يجعلنا أطفالًا، ويجعل لنا أطفالًا
يكثر أعدادنا ويطيل صبرنا

ونستبله أمام الموت كأننا لا نعرفه!
نتجاهل وما بنا جهل

ونغضبه كنجم مشهور، قرر الناس كسرًا له أن يسألوه عن اسمه وعمله كل صباح

فكلما طرق أبواب المدن بمواكبه سألناه كأننا نسيناه:
ما اسمك ثانية؟

ثم نتركه على الباب، ونرحب بذلك الضيف الثاني الخجول

الذي لا يكاد يبين صوته، وهو يقول: اسمي الحب... والله أعلم!

نستحمق أمام الموت فنخوضه كأنه غير موجود، ونسير على الجمر حافين، محدقين في النجوم، ناظرين للأعلى لا للأسفل، مصرين على ألا يحس الجمر أننا نحس به.

والفدائيون يهربون باقات الورد عبر الأنفاق مع الخبز والسلاح

يا كحيلات العيون بلا كحل

 يا طيبات القلوب

 أيتها الأمهات العذارى

 يا صبايانا

 لو كنتن تدرين كم قوة تبثها فينا ابتسامتكن

 وقولكن لنا : تهون يا ابن عم

لو تدرين

 كم عدوا تهزمن حين تفتحن لنا ملاجئ بين كفوفكن

و كم جريحا تشفين

 وأنتن كالنوارس

تبشرنا بالأرض والبحر يرمينا يمينا وشمالا

 وربما عطش الإنسان للأرض

عطشه للماء.

top-ads

# دين # حرب غزة # طوفان الأقصى

أحمد حسن الزيات يكتب: رمضان
أنور الجندي يكتب: شخصية الشافعي على ضوء علم النفس الحديث
خديعةُ الهدوء: عن اغتيال عيون الحقيقة في غزة 2025

مجتمع